أحمد بن محمد الشافعي الشاذلي

89

المفاخر العلية في المآثر الشاذلية

وقال رحمه اللّه : يستقر في قلبك أنه لا ضارّ ولا نافع إلا اللّه ، ولا معطي ولا مانع إلا اللّه ، ثم لا تضطرب ولا تسكن ولا تنسب إلى الخلق شيئا ولو قرضت بالمقاريض ونشرت بالمناشير ، أكتبك صديقا عزيزا ، فقلت : فكيف لي بما تثيب عليه وما تعاقب عليه ؟ فقال لي : أثبت ما أثبت من الثواب والعقاب وأفعال العباد ، ولا يضرك الإثبات لما أثبت ، وإنما يضرك الإثبات بهم ومنهم . وقال رحمه اللّه : أثبت لي ما هو حق لي أثبت لك ما هو حق لك ثم آخذك عما هو حق لك وأبقيك بما هو حق لي ، وقل : يا موجود قبل كل موجود ، وهو الآن على ما هو عليه موجود ؛ يا سميع يا قريب يا مجيب ، يا علي يا عظيم ، يا حليم يا عليم ، يا سميع يا بصير ، يا مريد يا قدير ، يا اللّه يا حي يا قيوم ، يا رحمن يا رحيم ، يا أول يا آخر يا ظاهر يا باطن ، يا متكبر يا غفور يا غفار ، يا توّاب يا رحيم يا غني يا كريم ، يا واسع يا عليم ، يا ذا الفضل العظيم . وقال رضي اللّه عنه : إن رضائي مني وإليّ لا من اسمي ولا من اسمك إليك ، قال : وكيف ذلك ؟ قال : سبقت أسمائي عطائي ، وأسمائي من صفاتي ، وصفاتي قائمة بذاتي ، ولا يتحقق ذاتي غير ذاتي . وللعبد أسماء دنية وأسماء علية ، فأسماؤه العلية قد وصفه اللّه بها بقوله : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ [ التّوبة : 112 ] إلى آخرها ، وبقوله : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ [ الأحزاب : 35 ] إلى آخرها ، وأسماؤه الدنية معروفة كالعاصي والمذنب والفاسق والظالم ، وغير ذلك ، فكما يمحق أسماءه الدنية بأسمائه العلية ، كذلك تمحق أسماءك بأسمائه وصفاتك بصفاته ، لأن الحادث إذا قورن بالقديم فلا بقاء له ، فإذا ناديته باسمه كقولك يا غفور يا توّاب يا قريب يا وهّاب فاستدعيت بها العطاء لنفسك ، فقد تنزلت من أسمائه إلى نفسك ، وكذلك إذا لاحظت أسماءك الدنية من المعاصي والظلم والفسوق فسألت سترها وغفرها ، فأنت باق مع نفسك فإذا ناديته باسمه ولاحظت صفته العلية قائمة بذاته محقت أسماءك كلها ، وإن عدم وجودك فصرت محوا لا وجود لك البتة ، فذلك محل البقاء ، والفناء والبقاء بعد الفناء يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [ آل عمران : 73 ] . وقال رحمه اللّه : حق التوكل صرف القلب عن كل شيء سوى اللّه ، وحقيقته نسيان كل شيء سواه ، وأمره وجود الحق دون كل شيء يلقاه ، وسر سره ملك وتمليك لما يحبه ويرضاه .